تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

جهاد النفس


الخطبة الأولى

    الحمد لله نحمده،ونستعينه،ونستغفره ونتوب إليه،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هاديه له،وأشهدٌ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأشهدٌ أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه،وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد:

أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن جهاد النفس مقدم على غيره من أنواع الجهاد لأن الإنسان إذا لم يجتهد نفسه فلن يستطيع أن يجاهد غيره قال الله سبحانه وتعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) وجهاد النفس يكون بإلزامها بطاعة الله سبحانه وتعالى ونهيها عن هواها وعما حرم الله سبحانه وتعالى وهذا يحتاج إلى جهدٍ وصبر وعناية لأن النفوس لها ثلاثة صفات:

الصفة الأولى:أن تكون أمرةً بالسوء، وهذا هو الأصل في النفس أنها أمرةً بالسوء تريد الشر وتطيع الشيطان، وتتبع هواها يسهل عليها فعل المحرمات والشهوات ويصعب عليها فعل الطاعات والواجبات، فتحتاج من صاحبها إلى مجاهدة ومرابطةٍ ومصابره حتى تطمأن.

النوع الثاني:لوامة، فالنفس اللوامة التي يحصل منها الشر والسوء ثم تندم وتلوم صاحبها حتى تحمله على التوبة إلى الله سبحانه وتعالى وهذه أحسن من الذي قبلها، ولهذا أقسم الله بها فقال سبحانه:( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ).

والنوع الثالث:من صفات النفوس النفس المطمأنة التي ارتاحت إلى طاعة الله وطمأنة بذكر الله وتلذذت بالطاعات ونفرت من المعاصي فهذه التي تنادى يوم القيامة(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي)،( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) الذي خلقك وكذلك ارجعي إلى الجسد الذي خرجت منه ارجعي إليه أأمنت مطمئنة راضيةً مرضية تبشر بذلك عند القيامة وعند قيام الناس من قبورهم تبشر بهذه البشارة العظيمة، وهذه النفس هي التي أعان الله صاحبها عليها في الدنيا فألزمها طاعة الله سبحانه ونهاها عن معصيته وجاهدها في الله عز وجل ولهذا قال سبحانه وتعالى:( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، فالمسلم المؤمن يزكي نفسه بطاعة الله بمعنى يطهرها ويعودها ويروضها على طاعة الله فهذه هي التزكية المأمور بها التي أمر الله بها وأفناء على أهلها فهي التي يعتني بها صاحبها ويأخذ بزمامها، وأما التزكية المنهي عنها في قوله تعالى:( فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) وفي قوله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) فالمراد بالتزكية هنا مدح النفس والثناء عليها وتكميلها وهذا ما يصل من كثير من الناس أنه يمدح نفسه ويكملها ويزكيها وهو في خلاف ذلك فهذا هو المنهي عنه.

أيها المؤمنون، إنكم مع أنفسكم في جهاد عظيم منذ تعقلون الحياة إلى أن تموتوا وأنتم مع أنفسكم في جهاد لأنكم في هذه الحياة تتعرضون إلى فتن وشبهات وشهوات فلابد أن تأخذوا بأنفسكم عما يضرها وأن تنعوها مما يضرها وأن تلزموها بطاعة الله سبحانه وتعالى، فمن أعطى نفسه ما تشتهي مما حرم الله وما تشتهي من تضيع فرائض الله أعطاها النوم الكسل والخمول فإنها قد ظلمها بمعنى أنه وضعها في غير موضعها اللائق بها وظلم النفس هو احد أنواع الظلم الثلاثة ظلم بين العبد وربه وذلك بالشرك والذنوب والمعاصي، وظلم بين العبد وبين الناس وذلك بالتعدي عليهم في أموالهم وأعراضهم وفي دمائهم، وثالث ظلم النفس وهو ان الإنسان يعرض نفسه لسخط الله وعقوبته بحيث يعطيها ما تشتهي ويوفر لها ما تطلب وإن كان ذلك في سخط الله عز وجل وأعظم من ذلك أنها يمدحها ويزكيها يزكيها بالباطل.

فتقوا الله، عباد الله، ولهذا يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:أيها الناس حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنها قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على الله (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) قال الله سبحانه وتعالى:( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) ينشر كتابه للناس فرحاً مسروراً لأن فيه ما يسره يود أن يطلع الناس عليه لما فيه من الخير(هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) السبب (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) يعني في الدنيا تيقنا أن سيلاقي المحاسبة على أعماله فحاسب نفسه في الدنيا حاسب نفسه في الدنيا ونقها وزكها بطاعة الله سبحانه وتعالى فهو يلقى هذا المصير المفرح، نسأل الله من فضله (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ) بيده اليسرى والعياذ بالله (فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) يُخُجلِ ويَخَجلَ ويود على أنه لم يطلع على كتابه هو فكيف يطلع عليه الناس لأنه فضيحه والعياذ بالله (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ) لأنه عرف عند أعطاه الكتاب مصيره والعياذ بالله (يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ) يتمنى أنه لم يبعث وأن موته هو النهاية وأنه لم يبعث للدار الآخرة ثم يتحسر ويقول (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) هذا مصير من ضيع نفسه واتبع هواها وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: الكيس يعني العاقل من زان نفسه أي حاسبها ولم يزكها بالمدح من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

فتقوا الله ،عباد الله، مع أنفسكم حاسبوها ما دام ذلك ممكن لكم قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) نسوا الله جلَّ وعلا نسوا طاعته ونسوا وعده ووعيده ونسوا الوقف بين يديه يوم القيامة فأنساهم أنفسهم جزاءاً لهو وعقوبةً لهم فلم يقدموا لأنفسهم خيرا (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً).

فتقوا الله، عباد الله، حاسبوا أنفسكم لا تنظروا إلى عيوب غيركم وتغفلوا عن عيوبكم بل أبدوا بأنفسكم حاسبوها ثم انظروا إلى غيركم بالنصيحة والإصلاح والموعظة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تكونوا من المفلحين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى* وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى* فَأَمَّا مَنْ طَغَى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيرا،    أما بعد:

أيُّها الناس، قد يقرؤوا بعض الناس قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فيظن أنه إنما أمر بأن يأخذ بنفسه ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه ليس عليه ضرر إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعتنا بنفسه ويقول أنا ما عليَّ إلا من نفسي وقد حذر من هذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: أيها الناس إنكم تقررون هذه الآية وتتأولونها على غير تأولها ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وإن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد السفيه ولتأطرونه على الحق أطرى أو ليعمونكم الله بعقاب من عنده فبين رضي الله عنه أنه ليس معنى الآية أن الإنسان يعتني بنفسه ويلزمها بطاعة الله ولا يأمر الناس بالمعروف ولا ينهاهم عن المنكر بل واجب عليه أن يبدأ بنفسه أولاً ثم بعد ذلك يتجه إلى الإصلاح مع الناس هذا هو المؤمن والقرآن يفسر بعضه بعضا لأن الله جلَّ وعلا قال:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ)، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فالأمر بالمعروف النهي عن المنكر فريضة لازمه لكل مسلم قال صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان فلا يسقط إنكار المنكر عن احد ولكنه بحسب الاستطاعة وبحسب المقدرة فلا يقول الإنسان أنا ما علي إلا من نفسي ولا علي من الناس كما يقوله كثير ممن يفهمون هذه الآية على غير مدلولها الصحيح أو يلتمسون لأنفسهم الأعذار في ترك الأمر بالمعروف  والنهي عن المنكر.

فتقوا الله، عباد الله،  واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديِّ محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

وعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبينا محمَّد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابة أجمعين، وعن التابِعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين، اللَّهُمَّ ولي علينا خيارنا، وكفينا شر شرارنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا ما لا يخافك ولا يرحمنا،اللهم أجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم أصلح ولي أمرنا، اللهم أصلح ولي أمرنا، اللهم أصلح ولي أمرنا وخذ بناصيته إلى الحق وهده إلى الصراط المستقيم اللهم رده إليك رداً جميلا، اللهم أصلح قادة المسلمين وأئمتهم في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أنصر من نصر الدين، وخذل من خذل الدين،اللَّهُمَّ من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، وردد كيده في نحره، وجعل تدميره في تدبيره إنك على كل شيء قدير،(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)،(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.


خطبة الجمعة 21-04-1430هـ