تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ذكر الله تعالى


الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أعد الله للذاكرين الله كثيرا والذاكرات أجراً عظيما، وأشهدٌ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم ما في السموات وما في الأرض، ويعلم ما كانا وما يكون وكفى به عليما، وأشهدٌ أن محمداً عبده ورسوله، أنزل عليه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما،   أما بعد:

أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، قال الله سبحانه وتعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)، قال سبحانه وتعالى:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِعباد الله، إن ذكر الله مطردة للشيطان، ومنجاة من النار، وسبب لدخول الجنة، فتقوا الله، وأكثروا من ذكره وشكره، وذكر الله يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالأعمال قال سبحانه وتعالى:(أَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)، وقال سبحانه وتعالى:(وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، ذكر الله يكون بالقلب كما قال الله جلَّ وعلا في الحديث القدسي: أنا مع عبدي إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملئي ذكرته في ملأ خير منهم ، ذكر الله يكون بالأعمال من صلاة وزكاة وحج وعمرة، وكل أنواع الطاعات قولينا أول فعليتاً أو مالية فإنه ذكر لله سبحانه وتعالى، ذكر الله تطمأن به القلوب كما قال سبحانه وتعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، ذكر الله يعمر البيوت قال صلى الله عليه وسلم: مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت ، فأكثروا من ذكر الله، ذكر الله يطرد الشيطان، ويحصن الإنسان قال صلى الله عليه وسلم: وآمركم بذكر الله فإن مثل ذلك من خرج العدو في طلبه مسرعين فأووا إلى حصن حصين فمنعه الله منهم ، فالمسلم يلجأ إلى ذكر الله دائماً وأبداً ويتحصن به من أعدائه، فيتحصن به من عذاب النار، ومن جميع المكارة.

عباد الله، وأفضل أنواع الذكر لا إله إلا الله، وهي كلمة الإخلاص، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي الكلمة الطيبة:(أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)، فالكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله كما جاء في التفسير، فأكثروا من هذه الكلمة أحيوا بها قلوبكم واعمروا بها بيوتكم ونوروا بها أوقاتكم، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ، فعودوا ألسنتكم ذكر الله دائماً وأبداً، ولا تنسوا ذكر الله فإن من نسي ذكر الله نسيه الله وستولى عليه الشيطان، كلمة لا إله إلا الله كلمة خفيفة لكنها ثقيلة خفيفة على اللسان ولكنها ثقيلة عند الله، في الحديث: أن موسى عليه السلام قال:يا ربي علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال:قل يا موسى لا إله إلا الله، قال:يا ربي كل عبادك يقولون هذا، قال:يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهم غيري، والأرضيين السبع وعامرهم في كفه، ولا إله إلا الله في كفه، مالت بهن لا إله إلا الله ، يؤتى يوم القيامة برجل معه تسع وتسعون سجلا من السيئات والأعمال السيئة مملؤه بالأعمال السيئة، كل سجل منها مد البصر، فيقال له هل لك من حسنة؟ فيستحي ويقول:لا يا ربي، فيقال له:بلى إن لك عندنا حسنة وأنك لا تظلم، فيؤتى ببطاقة يعني:ورقة صغيرة مكتوب فيها لا إله إلا الله فتوضع لا إله إلا الله في كفه وتوضع السجلات التسع والتسعين، كل سجل مد البصر توضع في كفه فترجح بهن لا إله إلا الله فيدخل بذلك الجنة، فهي كلمة عظيمة لها وزنها عند الله، ولكنها ليست لفظاً يقال باللسان فقط، وإنما هي كلمة لها معنى، ولها مقتضى لابد من معرفة معناها، ولابد من العمل بمقتضاها، فلا إله إلا الله معناها لا معبود بحق إلى الله، وكل معبود سواه فهو باطل، كما قال سبحانه وتعالى:(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)، لا إله إلا الله أرسلت بها الرسل كما قال الله سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، كلمة لا إله إلا الله لها معنى لابد أن يعرفه المسلم ولابد أن يعمل به فهي تنفي جميع الشرك وجميع المعبودات وتثبت العبادة لله وحده فـ(ـلا إله) نفي لجميع ما يعبد من دون الله وإبطال له(إلا الله) إثبات للعبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، لابد أن يقولها الإنسان من القلب كما في الحديث لما سأل أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ، لا يقولها بلسانه فقط، وفي الحديث الآخر: فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله لا يقولها بلسانه، المنافقون يقولون لا إله إلا الله وهم في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيرا، لأنهم يقولونها بألسنتهم ولا يعتقدونها في قلوبهم، ولما قال صلى الله عليه وسلم للمشركين قولوا:لا إله إلا الله تفلحوا قال:( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)، (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)، فأهل الجاهلية أبوا أن يقولها لأنها تبطل أصنامهم كلها تبطل عبادتها للأصنام ومهم لا يردون أن يتركوا عبادة الأصنام، بل يردون أن يتمسكوا بها، وكثير من القبوريين اليوم يعبدون القبور ويستغيثون بها، ويذبحون لها، وينذرون لها، هم يقولون:لا إله إلا الله يقولون:لا إله إلا الله بكثرة ولكنهم لا يعملون بمقتضاها، فلا يتكون عبادة غير الله، لا يخلصون العبادة لله وحده لا شريك له، فكفار قريش أفهم من هؤلاء بمعنى لا إله إلا الله، فلنعرف هذا فإن هذه الكلمة ليست مجرد لفظٍ يقال باللسان فهي كلمة عظيمة لأن لها معناً عظيم ومقتضاً كريم كما قال صلى الله عليه سلم: أفضل الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، فهي أفضل الذكر، وأعظم الذكر، وهي أخف أنواع الذكر على اللسان كلمة خفيفة لا تأخذ وقت من حياة الإنسان، وفيها الفضل العظيم لكن لمن يعرف معناها، ويعمل بمقتضاها.

فتقوا الله عباد الله، وأكثروا من ذكر الله، ولاسيما كلمة لا إله إلا الله حتى الميت المحتضر يلقن هذه الكلمة قال صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإن من كان آخر كلمه لا إله إلا الله دخل الجنة ، يختم بها حياته ويخرج من هذه الدنيا بكلمة عظيمة معتقداً لها مؤمناً بها فيدخل بذلك الجنة، إن لا إله إلا الله تقتضي أن يعمل الإنسان بكل ما أمر الله به، ويترك ما نهاه الله عنه، يترك أولا عبادة غير الله، يترك المعاصي والسيئات، يكثر من الأعمال الصالحة والحسنات، فإن لا إله إلا الله هي مفتاح الجنة، هي مفتاح دار السلام، ولهذا لما قال لوهب بن منبه رحمه الله أليست لا إله إلا الله مفتاح الجنة، قال: بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان فإن جيتا  بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك، معناه أن لا إله إلا الله لا يكفي مجرد لفظها كما لا يكفي مجرد المفتاح بدون أسنان بل لابد من الأعمال الصالحة فأسنانها هي الأعمال الصالحة وفي مقدمة ذلك الفرائض.

فتقوا الله عباد الله، وأكثروا من ذكر الله، وأكثروا من لا إله إلا الله، ولا تغفلون عن ذكر الله (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاًبارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيرا،    أما بعد:

عباد الله، فإن ذكر الله يخالط أعمال المسلم، بل هو روح الأعمال الصالحة ولهذا أمر الله بذكره بعد الصلوات:(فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)،فالله جلَّ وعلا أمر بذكره بعد أداء الصلوات المفروضة، وأن يداوم الإنسان على ذكر الله في المسجد وفي خارج المسجد، وقال في الجمعة:(فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، ونهى أن تولهينا الأموال الأولاد عن ذكر الله قال سبحانه وتعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ)، وقال سبحانه في المساجد:(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، فعليكم بالإكثار من ذكر الله في جميع (اذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم أذكروا الله ماشيين وجالسين، أذكروا الله في دكانيكم، ومحلات أعمالكم، أذكروا الله في دوائركم، أذكروا الله في بيوتكم، وأكثروا من ذكر الله دائماً وأبدا لينوره الله قلوبكم ويصلح أعمالكم.

واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديِّ محمد صلى الله عليه وسلم، شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

وعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبينا محمَّد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابة أجمعين، وعن التابِعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين، اللَّهُمَّ ادفع عنا الغلا والوبا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللَّهُمَّ أصلح إمامنا وولي أمرنا، اللَّهُمَّ دله على الخير والرشاد، اللَّهُمَّ رده إليك رداً جميلا، اللَّهُمَّ أصلح بطانته وقرب إليه أهل الخير والصلاح، وأبعد عنه أهل الشر، اللَّهُمَّ أبعد عنه بطانة السوء والمفسدين، اللَّهُمَّ أصلح ولاة أمور المسلمين عامة يا رب العالمين (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)،(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)،فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.