تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أساس الأمن والاستقرار


الخطبةالأولى

الحمد لله على نعمه التي لا تعدُ ولا تحصى، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في ربوبيته وألهيته وأسمائه الحسنى، وأشهد أنْ محمداً عبده ورسوله صاحب الحوض المورود والشفاعة العظمى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين استمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، وسلم تسليماً كثيرا،    أما بعد.

أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروا ما أنتم فيه من النعمة العظيمة أمنٌ في الأوطان، وصحةٌ في الأبدان، ووفرةٌ في الأرزاق، ومن حولكم يتخطفون في البلاد، تسلط عليهم الأعداء، وشتتوهم، وفرقوهم، وحرضوا بعضهم على بعض، فأصبحوا في فوضى واضطراب، الله أعلم ما تنتهي إليه، فشكروا نعمة الله عليكم، ويتلخص الشكر على هذه النَّعمة في ثلاثة أمور بينها النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يرضى لكم ثلاثًا، أن تعبدوه ولا تشركُ به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ، وفي حديث آخر: ثلاثٌ لا يغلوا عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة لولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فهذه الأمور الثلاثة هي التي تجمع لكم الخير كله، وتحفظ عليكم هذه النعمة.

الأمر الأول: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وهذا ما جاءت به الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام من أولهم إلى آخرهم من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواءه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وكما قال سبحانه وتعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) هذا أساس الأمرَ، وهذا أساس الدينَ، وهذا أساس الأمن والاستقرار، فما اجتمع العرب بعد الجاهلية والتفرق والتشتت، ما اجتمعوا إلا على كلمةِ التوحيد لا إله إلا الله قولاً وعملاً واعتقادا.

والأمر الثاني: أن تعتصموا بحبل الله جميعاً، أن تعتصموا بحبل الله القرآن والسنة، تتمسكوا بالكتاب والسنة قولاً وعملاً واعتقاداً، كما أحله الله ورسوله أحللناه، وما حرمه الله ورسوله حرمناه، فالله جلَّ وعلا أنزل علينا الكتاب، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم جاءنا بالسنة الصحيحة التي ترسم لنا الطريق، وتبيَّن لنا المنهج السليم الذي نسير عليه في حياتنا، ولا نرجع إلى القوانين الوضعية الطاغوتية التي تفرق ولا تجمع، التي تضلل العقول، التي تُفسد العقائد تنشر الكفر والإلحاد لا تمنع من كفرِ ولا من إلحاد، هذه هي القوانين الوضعية الذي وضعها البشر من تلقاء أنفسهم، الله لا يرضاها لنا، بل شرع لنا أن نطيع الله ورسوله بالكتاب والسنَّة: (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) التفرق عذاب، الاختلاف عذاب، الفرقة عذاب، كما أحدثت فيماً حولكم الآن تفرقهم واختلافهم وتناحرهم وأصبحوا لا يقر لهم قرار، كل يوم لهم رأي، كل يوم لهم خطة تناحرون يتقاتلون وهكذا، لأنهم تركوا الاعتصام بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأطاعوا أعدائهم، والتفرق آفة وعذاب، ولهذا شرع الله لنا الاجتماع، وربانا عليه بالصلوات الخمس في صلاة الجماعة، في صلاة الجمعة، في صلاة العيدين، والكسوف، والاستسقاء، والحج والعمرة، كل ذلك نؤديه جميعاً مع إخواننا المسلمين لنتربى مع الاجتماع والتعارف والتآلف والتعاون على البر والتقوى، إن الكفار يريدون أن يفرقوا بيننا، وأن يلقوا العداوة بيننا لأنَّهم يعلمون أننا إذا اجتمعنا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أننا نفسد عليهم خُططهم ومناهجهم التي يرسمونها لنا، لماذا؟ نأخذ خطط الكفار ومناهج الكفار التي يرسمونها لنا، ونترك ما رسمه الله لنا ورسمه لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم، إن هذا إلا ذهاب للعقول، وضياع للأمر، نسأل الله العافية فعلينا أن نتمسك بكتاب الله وسنة رسوله جميعاً، وأن لا نتفرق فيما بيننا، لأن المسلمون كالجسد الواحد وكالبنيان يشد بعضه بعضا (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

والأمر الثالث: مناصحة ولاة الأمور، مناصحة ولاة الأمور، ولا تقتصر المناصحة على الوعظ والتذكير لهم، هذا أمر لا بد منه أن نذكرهم وأن نعظهم فيما بيننا وبينهم، أن نوصل لهم النصيحة سراً بيننا وبينهم، فهذا من حقهم علينا، ومما أوجبه الله علينا فمن يقدر أن يصل إليهم ويُشافههم وجب عليه ذلك، وملَّ لم يقدر فإنه يُراسلهم أو يُوصي من يتصل بهم، ويُبلغهم بما يحصل من الخلل، وما يحصل من المخالفات لأجل أن يتنبهوا لها ويُصلحوها، هذا من مناصحة ولي الأمر، ولا يجوز أن نذكر الخلل، ولا يجوز أن نذكر الخلل، وأن نجرح ولاة الأمور بما فيهم من النقص أمام الناس، وعلى المنابر أو في الأشرطة أو في المجالس هذا من الخيانة، وهذا يزرع الفتنة، وهذا يفرق بين الراعي والرعية، إنَّما النصيحة أن نوصلها إليهم مباشرة أو بواسطة، لا يدري عنها أحد، ولهذا جاء في الحديث: من كانت عنده لولي أمره نصيحة، فليأخذ بيده وليناصحه فإن قبل؛ وإلا فقد أدى ما عليه ، أما نشر الأخطاء ونشر المخالفات وتنقص ولاة الأمور، وإهانة ولاة الأمور أمام الناس فهذا يُحدث فتنةً وشروراً وقطيعةً، وهذا ما يريده أعداء الله ورسوله، لأنهم لا يرضون عن المسلمين أن يجتمعوا وأن يتآلفوا وأن يتعاونوا، فهم يحاولون دسَّ الفتنة بين المسلمين دائماً وأبدا، فلنكن منهم على حذر، ومن النَّصيحة لولي الأمر أن نقوم بالأعمال التي يكلُها إلينا كل موظف وكل مسئول يقوم بالعمل الذي وكل إليه ولا يُفرط فيه، لا يفرط في عمله أو يتكاسل أو يكلُه إلى غيره بل يقوم به على الوجه المطلوب، هذا من أعظم النَّصيحة لولي الأمر، فالنَّصيحة لولي الأمر ليست مقصورةً على الموعظة والتذكير له، وإنَّما أيضاً وأهم من ذلك أن نقوم بما وكل إلينا من الأعمال على الوجه المطلوب، لأن الوظيفة أمانة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، والأمانات هي الوظائف (أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) أن تسندوا الوظائف إلى المؤهلين الذين يقومون بها ويؤدونها في مصالح المسلمين، في مصالح الراعي والرعيَّة فهذا من النصيحة لولي أمر المسلمين أن تناصحوا من ولاه الله أمركم، فكلٌ هذا ممن يجمع كلمة المسلمين، ويسد الطريق على الكفار والمشركين والمنافقين الذين يريدون أن يُشتتوا المسلمين، ويُفرقوا جماعتهم كما هو مُشاهد الآن في الأقطار التي حولنا، أن الكفار تدخلوا فيها، واشاعوا الفتنة بين الراعي والرعيَّة حتى حصل ما تسمعون وما تقرؤون من الفتن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ* بَلْ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ)، علينا أن نعتصم بالله، وأن نتوكل على الله، وأن نلتزم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، فلو أن المسلمين إذا اختلفوا يردون اختلافهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ويتولى ذلك علمائهم وأهل الرأي فيهم لصلحت الأمور، وإمَّا أن ترد إلى الكفار إلى مجلس الأمن إلى الأمم المتحدة نردها إلى أعدائنا كما يقول الشاعر

        لا تشكون لذي ضغنٍ فتشمته            شكوى الجريح إلى الغرابان والرخمِ

فنحن لما نشتكي لأعدائنا نريد منهم أن يُحلوا مشاكلنا، فإننا كالجريح الذي يشتكي إلى سباع الطير لتنهش لحمه هذا شأنهم، فعلينا أن نتق الله عزَّ وجل ، وأن نحل أمورنا ومشاكلنا فيما بيننا وعلى ضوء كتاب الله وسنة رسول الله، وبالرجوع إلى علمائنا وأهل الرأي فينا: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)، ولكن كما قيل

كالعيسي في البيداء يقتلها الظمأ          والماء على ظهورها محمولُ

بيَّننا كتاب الله وسنة رسوله، ولكن لا نرجع إليهما، وإنَّما نرجع إلى الأنظمة الكفرية، نرجع إلى المعاهدات الدولية، إلى الأنظمة التي شرعها الكفار، إن صلحت لهم على كفرهم لأنه ليس بعد الكفر ذنب، فإنها لا تصلح لنا أبداً، لأن الله أغنانا عنها بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والواجب أننا نحن نتولى حلَ مشاكل العالم بما عندنا من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أننا نرجع بمشاكلنا إلى أعدائنا وإلى أنظمة الكفر التي لم تنفع أهلها حتى تنفعنا، (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِأقولٌ قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر على توفيقه وامتنانه، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيرا 

في حديث أبي رقية تميم بن أوس الدَّاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة ، ثلاث مرات، قلنا: لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم ، والنصيحة معناها الخلُص من الغش جميع أنواع الغش، الغش للراعي، والغش للرعيَّة، والغش بعدم العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وأخذ العمل من كتب اليهود والنصارى والملاحدة هذا هو الغش للراعي والرعيَّة، والغش لائمة المسلمين وعامتهم، فعلينا أن نرجع ما عندنا من كتاب ربنا وسنة نبينا، ونرجع إلى علمائنا، وإلى أهل الرأي فينا، ونحل مشاكلنا بأنفسنا، إذا أردنا الصلاح والإصلاح لأمورنا.

فاتقوا الله عباد الله، وعلموا أنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهديَّ هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكُلَ بدعةٍ ضلالة.

وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبيَّنا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمةَ المهديين، أبي بكرَ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابةِ أجمعين، وعن التابِعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وجعل هذا البلد آمناً مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن فجاءة نقمتك، ومن تحول عافيتك، ومن جميع سخطك،  اللَّهُمَّ أصلح ولاة أمورنا، وجعلهم هداة مهددين غير ضالين ولا مضلين، اللَّهُمَّ أصلح بطانتهم، وأبعد عنهم بطانة السوء والمفسدين، اللَّهُمَّ أجمع كلمة المسلمين على الدين، وكفهم شر أعدائهم يا رب العالمين، اللَّهُمَّ أكفنا شر أعدائنا من الكفار والمشركين والمنافقين، اللَّهُمَّ ولي علينا خيارنا، وكفنا شر شرارنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا ما لا يخافك ولا يرحمنا، وجعل ولينا فيمن خافك وتقاك وتبع رضاك يا رب العالمين، (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). 

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.