تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نعمة الإسلام


الخطبةالأولى

الحمد لله على فضله وإحسانه، الحمد لله مُعزِ من أطاعه وتقاه، ومُذلِ من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه، سلَّم تسليماً كثيراً أما بعد

عباد الله، اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمه العظيمة، فإن الله أنعم على عباده عموماً وعلى المسلمين خصوصاً بنعم لا تُعد ولا تحصى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)، وأوجب علينا شكر هذه النعم، وأخبر أنه بشكر النعم تدوم، وبكفرها تزول (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، فهذه النعم لا تذهب بدون مسؤولية، وبدون حساب قال جل وعلا: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ)، ومن أعظم نعم الله على البشرية عموماً وعلى المسلمين خصوصاً دين الإسلام قال الله سبحانه وتعالى في وصف نبيه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، قال سبحانه وتعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، أيُّ يومٍ هذا إنه يوم عرفة حيث نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة في حجة الوداع في يوم الجمعة، وما عاش بعدها صلى الله عليه وسلم إلا أشهر قليلة ، ثم توفاه الله إلى جواره وانتقل إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم، تاركاً أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وقال: إن تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي ، فالخير باقي في هذه الأمُّة لمن يُريد أن يتمسك به، ويشكر الله عليه، الخيرٌ باقً ولله الحمد ما بقي هذا الدين وهذا الإسلام قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، لم يتوفى الرسول صلى الله عليه وسلم وينتقل إلى ربه إلا بعد أن أكمل الله به الدين، فلا مجال لإضافة إلى هذا الدين، أو اقتراح شيءٍ زيادة على هذا الدين قال صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ، وقال عليه الصلاة والسلام: وإياكم ومحدثات الأمُور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكَل بدعة ضلالة، وكَل ضلالة في النارِ ، لأن الدين كامل بشهادة الله جل وعلا (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، فمن يأتي بعد هذا اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية الذي يأتي بعبادةٍ وطاعةٍ من غير دليلِ من كتاب الله وسنة رسوله فإنها بدعة، مردودة على صاحبها وهي ضلالة، وإن كان يظن أنها هداية وأنها خير وعبادة، إنها ضلالة والعياذ بالله، وكَل ضلالة في النارِ ، وإن كان يظن أنها تُقربه إلى الجنة فهي تبعده من الجنة وتُقربه إلى النار بشهادة هذا الحديث الشريف، (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)، بكمال هذا الدين تمت النعمة على المسلمين، فيجب عليهم أن يشكروها، وذلك بالتمسك بهذا الدين، والقيام بواجباته، وترك ما حرَّم الله سبحانه وتعالى من منهياته (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)، فأيُ إنسان يبتدع بدعةً فإنَّه يكفر هذه النعمة، ولا يعترف بكمال هذا الدين، ويظن أنه قاصر، وأنه ناقص يحتاج إلى تكميل لأن في نظره لم يكملُ فهو مكذبُ لله عز وجل الذي قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، فلا مجال للمبتدعين، ولا للمغيرين والمُحدثين، والذي يُريد النجاة من النار والدخول في الجنَّة، ويريد رضا الله  سبحانه وتعالى فعليه أن يتمسك بهذا الدين، عليه أن يتمسك بهذا الدين، لأنَّه هو حبل الله المتين الذي يُوصل إلى مرضاته، ويُوصل إلى جناته (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)، ثم قال جل وعلا: (وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، رضيه لنا ولا يرضى لنا غيره لا يرضى لنا اليهودية، ولا النصرانية، ولا أيِّ دين من الأديان غير الإسلام (وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، فالذي يقول أن الأديان سوى وكل إنسان يأخذ بدينِ منها فإنه يصل إلى الجنَّة كما يقوله أهل الظلال، أو أهل الجُهال في هذا الزمان، الأديان كُلها نُسخت، كُلها نسخت والعمل بها لا يجوز انتهى وقتها، ولمَّا بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم جاء دين الإسلام وسيبقى إلى أنَّ تقوم الساعة هو دينُ البشرية جميعاً لا يهودية، ولا نصرانية، ولا أي دين سوى هذا الدين دين الإسلام، قال جل وعلا: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)، وقال سبحانه (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ)، والإسلام على وجه العموم هو ما جاءت به الرُسُل من أولهم إلى آخرهم كُلهم على الإسلام الذي هو دين الله عز وجل، ولما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم صار الإسلام هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وانتهت الأديان التي قبله، وسيبقى هذا الإسلام هو دين الله الذي لا يرضى سواه إلى أن تقوم الساعة، وهو نِعمةٌ عظيمة، ومنحة عظيمة من الله سبحانه، يتفيأ ظلالها كل مسلم يُريد الله والدار الآخرة، ولكن علينا أن نتعلم هذا الدين، ما يكفي الانتساب له، والتسمي بالإسلام دون أن نتعلم هذا الدين، ثم إذا تعلمناه نعمل به، ونتمسك به، لا بد من هذا.

اتقوا الله عباد الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَبارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تمسك بسنته، وسار على نهجه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا أما بعد

أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، وتمسكوا بهذا الدين، واصبروا عليه، لأن من يتمسك بهذا الدين سيلقى مشقة من الناس، ويلقى عنتاً، ويلقى ما يلقى من الأذى، فلا بد من الصبر على هذا الدين، قال صلى الله عليه وسلم: سيأتي على الناس زمان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر أو على خبط الشوك ، وذلك لما يلقي من الناس، من الملامة، ومن التوبيخ والتهديد، حتى ممن يدعون الإسلام، وحتى من أولاده وأهل بيته، يُريدون الفتنة، لكن علينا بالصبر والثبات على هذا الدين، إلى أن نلقى الله سبحانه وتعالى ونحن عليه (وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، واعلموا أن الفتن الآن كثيرة، والزلازل كثيرة التي تُزلزل هذا الدين، ولكن الله قد ثبته فلا تؤثر فيه هذه العواصف، وهذه الزلازل، وهذه الفتن، وإنما تؤثر في أهله، أمَّا الدين نفسه فهو محفوظ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وإنَّما الخوف علينا نحن المسلمين أن نضل، أن نفتتن، أن ننصرف عن ديننا، كل ما اشتد الفتن الفتنة اشتد الخطر، فعلينا أن نحذر من ذلك، وأن نتنبه لذلك الدعايات الخبيثة التي تروج في الفضائيات، وفي الانترنت، وفي غير ذلك من وسائل النشر، التي تصل إلى كل مكان، وإلى البيوت ولا يُعلم عنها حتى يُقام ضدها، تصل خفية إلى البيوت، إلى النساء في خدورهنَّ، إلى الأطفال، إلى كل أحد، ولكن علينا أن نتواصى بالحق، ونتواصى بالصبر، علينا أنَّ نتثبت على ديننا، وأنَّ نصبر على ما ينالنا في سبيله.

واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبينا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابة أجمعين، وعن التابِعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم انصر هذا الدين، وانصر أهله، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم اكفنا شر الفتن وأهل الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم احمنا واحفظنا على ديننا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح سلطاننا و ولِّ علينا خيارنا واكفنا شر شرارنا وقنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ودمر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين.

(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُعبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.