حفظ الله تعالى لأوليائه الصالحين


الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، من توكل عليه كفاه، ومن استعان به أعانه وأغناه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمداً عبُده ورسوله أوذي فصبر، وأعطي فشكر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغُرر، وسلم تسليماً كثيرا   أما بعد

أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعتصموا به، وتوكلوا عليه، واستعينوا بالله، وhصبروا (إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، عن عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كُنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات، أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده أمامك، أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده أمامك وفي رواية: تجده تجاهك واعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا رواه الترمذي وغيره، في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم يعلم هذا الغلام الصغير، ويركز العقيدة الصحيحة في قلبه ليُربيه عليها، وهكذا يجب على المسلمين أن يُربوا أولادهم من الصغر، وأن يُركزوا في قلوبهم العقيدةَ الصحيحة، مع الآسف إنما يُعلمون أولادهم الأمور الدنيوية فقط أو الألعاب، والرياضيات، والالكترونيات، وما لا ينفعهم في دينهم، وإن نفعهم في دُنياهم فنفعه محدود، فهذا أصلُ، هذا الحديث أصلٌ في تربية الأولاد والاهتمام بهم، لأنهم بإذن الله عُدة المستقبل، وإن ما يُصيبَ المسلمين اليوم من تطاول الكفار عليهم، وما أصبح المسلمون فيه من الكرب بسبب أن الكفار يريدون أن ينقضوا سلطتهم في كل مكان، وأن يُوقعوا الفتنة بينهم، وأن يُشتتوا شملهم، هذا ليس بغريب، فالله سبحانه وتعالى ذكر هذا لنا في آيات كثيرة، وحذرنا منهم، ومن كيدهم قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ (أي: من غيركم )لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ( أي: ما يتعبكم )قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ* هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) (قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، (إِنْ تَصْبِرُوا)، هكذا يُقابل كيد الكفار بالصبر، وتتقوا ما يكفي الصبر وحده  بل لابد من التقوى، تقوى الله سبحانه وتعالى، واتخاذ الوقاية من كيدهم، وشرهم، والحذر منهم (لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى، وهو القادر على أن يقلب كيدهم عليهم، وشرهم في نحورهم، لأن الأمور بيد الله، وما يعيشه المسلمون اليوم من هذا الموقف الشديد، إنما يقابل بما جاء في هذا الحديث، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما إني أعلمك كلمات أحفظ الله ، أحفظ الله، أحفظ أوامره، ونواهيه، أحفظ الله في طاعة أمره، واجتناب نهيه أحفظ الله تجده أمامك يعني: يكون معك تجده تجاهك يكون معك سبحانه وتعالى معيتاً خاصة مقتضاه النصر والتأييد والحفظ مهما بلغ كيد العدو، كما قال الله تعالى لموسى وهارون (لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر الصديق وهما  في الغار، وقد أحاط بهم المشركون، يريدون الفتك بهم، والقضاء عليهم، فقال الصديق رضي الله عنه خائفاً على  رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لو نظر أحدهم إلا موضع قدمه لأبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، أي: الله معهما سبحانه بنصره وتأييده، فأعمى الله أبصارهم، فلم يبصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، ورجعوا خائبين خاسرين، ونجا الله رسوله وصاحبه من بينهم، هكذا يكون المؤمن، يكون مع الله في طاعته، امتثال أمره، توكله عليه، استعانته به، يكون الله جل وعلا معه، يُؤيده ويُحفظه، وينصره، لأن الجزاء من جنس العمل، أحفظ الله تجده أمامك ، تجده تجاهك تجده الله معك سبحانه وتعالى، لأن الجزاء من جنس العمل.

ثم أيضاً الأمر الثاني: أن تعلم أن كُل ما يجري في هذا الكون إنما هو من بقضاء الله وقدره، وأن الله أجراه لحكمة فيطمئن قلبك، يطمئن قلبك بذلك ولا تجزع، وأيضاً الله قدره عليك بسبب ذنوبك، فتب إلى الله (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، فما قدره الله عليك فلم تنجوا منه مهما حاولت، مهما حاولت فلا بد من نفوذ القدر فيك، فتوكل على الله، واستعن بالله، وعلق قلبك بالله سبحانه وتعالى، لا تعلق قلبك بالمخلوقين، لا تعلق قلبك بأعداء الله، الذين يمكرون بك، ويغدرون، علق قلبك بالله عز وجل، فإنك إذا أقبلت على الله، وتوكلت على الله، واستعنت بالله، فلن يضرك أحد، ولهذا جاء في رواية في الحديث: وعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يُنفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يُضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام أي: أقلام القدر وجفت الصحف ، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الرواية: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك ، وليس معنى ذلك أنك، أنك إذا علمت أن هذا مقدر وأنه لا بد أن يقع ليس معناه أنك تترك الأسباب الواقية والنافعة، فتتوب إلى الله عز وجل، وتتخذ الأسباب النافعة لمقاومة عدوك، ولهذا قال (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) بهذين الشرطين (لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)، لم يقل وإن تصبروا فقط، ولم يقل وإن تتقوا فقط بل لا بد من الجمع بين الأمرين (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاًفعلى المسلمين عموماً وعلى حُكامهم خصوصاً أن يرجعوا إلى الله، وأن يتوبوا إلى الله، وأن يُحكموا كتاب الله، في الحديث وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ، فعلى المسلمين أن يأخذوا من هذه الحادثة المروعة أن يأخذوا منها العبرة، وأن يتداركوا أمرهم، وأن يرجعوا إلى الله عز وجل لا إلى غيره، لا إلى مجلس الأمُم، ولا إلى الدول الكافرة، وإنما يرجعون إلى الله عز وجل بالدعاء بتضرع، والسؤال، والتوبة، والإقبال على طاعة الله، ويعرفوا عدوهم فيأخذوا حذرهم منه ولا يثق منه، لأنه غدار قال الله سبحانه: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، فالكفار لا يريدون لنا الخير أبداً، تربصوا بنا الدوائر، ولكن لا يمنع هذا أن نتعاهد معهم، ولكن نكون على حذر من كيدهم، ومكرهم، وخيانتهم، نكون على حذر لا نثق منهم (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ).

الأمر الثالث في هذا الحديث: أننا لا نيأس مهما أصابنا لا نيأس من الفرج، والنصر، قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: واعلم أن النصر مع الصبر ، ما في نصر إلا بصبر وعلم أن النصر مع الصبر ، أمَّا الذي يتراجع ويتخاذل، أمَّا الذي ييأس فإنه يذهب مع أول حادث، لكن الذي يصبر، الذي يصبر وينتظر الفرج، ويعمل الأسباب النافعة، فإنه يأتيه النصر بإذن الله واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب ، فالفرج مع الكرب، فإذا اشتد الكرب فأنتظر الفرج، إذا اشتد الكرب فأنتظر الفرج من الله عز وجل، ولا تقنط من رحمة الله، ولهذا يقول يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه لما فقد أولاده الثلاثة ما يأس من رحمة الله قال: (يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ)، لما اشتد به الكرب انتظر الفرج من الله ولم يقنط وأن الفرج مع الكرب .

الأمر الثالث: أن مع العسر يسرا، إذا اشتد العسر فإن اليسرى معه قريب منه، فعلق قلبك بالله، ولا تيأس من رحمة الله ، وأن مع العسر يسرا، وهذا في القرآن يقول الله سبحانه (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً)، ويقول سبحانه: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)، فلا ييأس المسلمون، ولكن عليهم بالرجوع إلى الله ، والتوبة إلى الله ، وإصلاح أمُورهم، والحذر من عدوهم، وعدم الثقة بعدوهم، لأنه عدوا ، والعدو لا يمكن أن يتركك، (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)، يجب على المسلم أن يُبغض الكافر بقلبه، يُبغض الكافر بقلبه، ولا يوده لأنه عدوا لله، وعدوا له، ولا يمنع هذا أن يتعامل معه في عهود، ويتعامل معه في التجارة، والمباحات لا يمنع هذا، لكن يكون مُبغضًا له في قلبه، يكون حذراً منه لا يأمنه ولا يأمن غدره، هكذا يكون المسلم يكون مع الله، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، فإذا قدمت أعمال صالحة في حالة الرخاء ووقعت في الشدة فرج الله عنك بسبب ما أسلفت، هذا يونس عليه السلام لما ألقي في البحر والتقمه الحوت وصار في الظلمات، ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِين)، فأنجاه الله سبحانه وتعالى، وأنقذه، وقال: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، لولا كان إنه من المسبحين، كان معروفاً بالصلاة عليه الصلاة والسلام، محافظاً على صلاته فيما مضى، فلما وقع في الشدة أنقذه الله عز وجل بما أسلفه من الأعمال الصالحة، وهذا فرعون لما أدركه الغرق (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ)، فأظهر ما كان يُنكره، وما كان يعترف به في باطنه، وينكره في ظاهره، لكن لا ينفعه ذلك، لأنه مضى وقت، لأنه لم يُسلف أعمال صالحة ينقذه الله بها، ولهذا قال له: (أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ)، ليس له تاريخ، ليس له سابقة، فلم ينفعه إيمانه لما رأى بأس الله (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).

فاتقوا الله عباد الله، واستفيدوا من هذا الظرف الصعب، استفيدوا منه هذه الدروس العظيمة، الجئوا إلى الله سبحانه وتعالى، ألجئوا إلى الله (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ* وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ) (إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ).

فاتقوا الله عباد الله، أصلحوا أعمالكم، تناصحوا فيما بينكم، توبوا إلى الله من جميع ما حصل منكم، فإن هذا، إنما جرى على المسلمين بسبب منهم هم، فعليهم أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، ويلجؤوا إليه ، والله جل وعلا يكشف الضر، ويفرج الهم، ويُيسر العسير لمن تاب إليه، وأمن به، وطلب منه، وطلب منه العون والمغفرة، وطلب منه النُصرة، لا يطلب النصرة من دولة فلان، أو من الكافر فلان، أو من علان، بل يطلب النصر من الله، ويعلق قلبه بالله عز وجل (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، وماذا كان مكر الكفار بالرُسُل؟ وماذا حصل للرسل عليهم الصلاة والسلام من النصر والتأيد والعاقبة الحميدة؟ وما حصل للكفار من العذاب، والتدمير؟ نسأل الله العافية، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، يُعزوا من يشاء، ويُذل من يشاء، ويُنصر عباده المؤمنين، وينتقم من الكافرين، وأشهد أن لا إله إلإ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيرًا    أما بعد

أيها الناس، علينا أن رجع إلى أنفسنا، وننظر في أعمالنا، وننظر في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى، فإنما أصابنا إنما هو من قبلنا وبذنوبنا، فعلينا أن نتوب إلى الله، وأن نُكثر من الدعاء مخلصين له الدين، مخلصين له الدعاء، فإن الدعاء سلاح المؤمن مع الأخذ بالأسباب النافعة بإذن الله عز وجل، ولا نيأس ولا نحزن، ولا نركن إلى أعداء الله مرة ثانية، وقد رأينا منهم ما رأينا مصداقاً لقوله تعالى (لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)، لكن أين الذين يعقلون إلا من رحم الله عز وجل موقف الكفار لا يتغير مهما طال الزمان، موقف الكفار من أول الخليقة إلى آخرها لا يتغير مع المسلمين ولا يتبدل، ولا نقل إنهم الآن تثقفوا وعرفوا الكُفر في قلوبهم هو الذي يحلوهم إلى هذا، العداوة الدينية:

            كل العداوة قد تُرجا مُودتها                إلا عداوة من عاداك في الدينِ

عدوك من جهة الدنيا قد يرجع، ويتنازل، وأمَّا عدوك في الدين فلن يرجع، لأنه ما يرجع إلا إذا تركت دينك (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)، (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا)، هذا شأن الكفار، وقد أخبرنا الله بذلك في آيات كثيرة، لكن أين من يتدبر؟ وأين من يعقل؟ فيجب على ولاة الأمور المسلمين أن تكون هذه النكبة، وهذه المواقف المُخزية من الكفار، أن تكون نذيراً لهم في المستقبل، وأن يبنوا دولهم، أن يبنوها على هدى من الله عز وجل، وعلى نور الإسلام، وأن يأخذوا بشرع الله، ولا يأخذوا بأنظمة الكفر، والقوانين الوضعية، عليهم أن يرجعوا إلى شرع الله، إن كانوا يريدون، إن كانوا يُريدون النصر، ويُريدون النجاة، مما وقعوا فيه، نسأل الله أن يوفقهم لذلك إنه على كل شيء قدير.

ثم اعلموا عباد الله أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، كل بدعة ضلالة.

وعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، إن الكفار لا يريدون لكم الجماعة، لا يريدون أن تجتمعوا يريدون أن يُفرقوكم بين البلد الواحد، وأن يجعلوهم شيعاً وأحزاباً، وأن يسلحوا كل حزب على الأخر ليتقاتلوا بينهم، الأمر واضح من كيد الكُفار، واعلموا أن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبينا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابة أجمعين، وعن التابِعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين، اللهم أمنا في أوطان، وأصلح سلطاننا، اللهم أمنا في دورنا، وأصلح ولاة أمورنا وجعلهم هداه مهتدين...