تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الرزق الحلال


 

الحمد لله رب العالمين أغنانا بحلاله عن حرامه وكفانا بفضله عما سواه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نعبد إلا إياه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه وسلم تسليما كثير أما بعد

أيها الناس (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

عباد الله، سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الكسب أطيب قال: عمل الرجل بيده وبيع المبرور ، رواه البزار وصححه الحاكم عمل الرجل بيده هذا أطيب المكاسب كون الرجل يشتغل بيده ينتج يحتطب يبني، ينتج أشياء ويبيعها على الناس هذا أطيب المكاسب، وكان نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده كان يصنع الدروع من الحديد ويبيعها ويأكل من ثمنها فهذا أطيب المكاسب والنوع الثاني البيع المبرور، الذي لا يدخله غش ولا كذب ولا خديعة بيع مبني على النصيحة وعدم الكتمان وعدم الغش قال صلى الله عليه وسلم: فإن صدقا وبينا بورك لهما فيه بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ، فالبيع لا يكون أطيب المكاسب إلا إذا خلا من الكذب من الأيمان الكاذبة فالذي ينفق سلعته بالأيمان، ويجعل الله سلعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه هو اللذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، كثير من الناس يتخذ الغش والخديعة والمكر والتدليس يتخذه من الحذق في البيع، يتخذ الكذب والغش من الحذق في البيع ويثني عليه الناس بأنه ماهر وأنه وأنه، وهو كذاب غاش مخادع وبيعه من أخدع المكاسب ولا حول ولا قوة إلا بالله فعلى المسلم أن يكون صادقا في بيعه وشراءه بيع المسلم للمسلم لا غش ولا خديعة، ولا تدليس ولا كذب بيع المسلم للمسلم، فكما أنك لا ترضى أن يغشك أحد وأن يبيع عليك أحد سلعة فيها غش فكيف ترضاه لأخيك تستعمل معه هذه المعاملة فاتقوا الله عباد الله وكذلك لا بد أن يكون المبيع مملوك للبائع أو موكلا على بيعه فلا يجوز له أن يبيع شيئا وهو لا يملكه ثم يمضي ويشتريه ويحضره للمشتري، سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأتينا الرجل فيسألني البيع ليس عندي ثم أمضي فأشتريه قال صلى الله عليه وسلم: لا تبع ما ليس عندك ، وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم في يوم فتح مكة نهى عن بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام وزجر عن ثمن الكلب والسنور كل هذه الأشياء لا يجوز للإنسان أن يبيعها، الميتة وهي ما ماتت بغير ذكاة شرعية أو ماتت يعني ماتت بذكاة غير شرعية أو ماتت حتف أنفها بدون سبب هذه هي الميتة قد حرمها الله بنص القرآن حرم أكلها بنص القرآن (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ)، فلا يجوز له أن يبيعها على الناس لا يجوز له أن يبيع لحوم من الميتة على الناس على أنها مذكاة وعلى أنها طيبة وهي خبيثة ومحرمة لا يجوز له ذلك والناس لا يعلمون إنما يشترون من المعروض للبيع ولا يدرون عن أصله لأن الأصل فيما يباع في بلاد المسلمين أنه حلال فإذا اندس بين المسلمين من يغش في اللحوم ويبيع لحوم محرمة فالناس لا يعلمون ذلك ولكن يجب على من علم ذلك أن ينكر عليه وأن يرفع بشأنه للجهات المسؤولة ليمنعوا تصرفه هذا ويكف شره عن الناس، نهى عن بيع الميتة والخمر وهو ما أسكر فلا يجوز بيع المسكرات والمخدرات على أي صفة كانت سائلة أو حبوب أو غير ذلك، حرام حرام حرام، لا يجوز أن يبيعها ولا أن يروجها ولا أن يستوردها وقد صدر من هيئة كبار العلماء قرار بوجوب قتل من يروج المخدرات من يروجها أو يستوردها إلى بلاد المسلمين وقد نفذ هذا القرار فقتل ويقتل كثير من مروجي المخدرات ومن علم عنهم فلا يجوز له أن يسكت ولا أن يكتم خبرهم بل عليه أن يبلغ لأن هؤلاء رجس هؤلاء يدمرون المجتمع ويفسدون المجتمع خصوصا الشباب فعلى من علم بمن يبيع الخمر أو يصنع الخمر أو يستورد الخمر أو يستورد المخدرات والمسكرات ويبيعها على المسلمين أن ينكروا عليه وأن يبلغوا عنه لتخلوا بلاد المسلمين من هذا الرجس هذا المفسد هذا مفسد في الأرض والعياذ بالله ويلتحق بذلك من يبيع الدخان لأنه مخدر وأشد من الدخان بيع القات لأنه أشد تخديرا من الدخان وخبيث وضار ومورث للأمراض الخبيثة فلا يجوز السكوت عن هؤلاء والخمر والخنزير، الخنزير حرمه الله بنص القرآن لأنه رجس (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)، يعني نجس فالخنزير حرام بإجماع الكتب السماوية وإنما استحلته النصارى من عند أنفسهم ولم يحله الله لهم قبحهم الله فلا يجوز بيع الخنزير ومشتقات الخنزير، وكذلك بيع الكلب زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ونهى عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي فلا يجوز بيع الكلاب وإن كان يجوز استعمالها لحراسة أو لصيد لكن لا يجوز بيعها بيعها لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ذلك وزجر عنه مما يدل على أنه لا يجوز بيع الكلاب والقطط والسنانير لأنها خبيثة فلا يجوز بيعها ولا أكل ثمنها والأصنام وهي الصور لا يجوز بيع الصور لا المنقوشة على الورق والملتقطة بالألة الفوتوغرافية ولا المنحوتة والتماثيل لا يجوز بيع الصور بجميع أشكالها لأنها من الأصنام لأن الأصنام هي الصور، كانوا يعبدون الصور صور الصالحين وصور الأولياء، كما حصل من قوم نوح لما صوروا صور الصالحين ونصبوها ثم بعد ذلك عبدوها من دون الله لأن نصبها وبيعها وتروجيها وسيلة لعبادتها ولو بعد حين، فالشيطان غير غافل يتدرج مع الناس شيئا فشيئا فلا يجوز بيع الصور ولا أكل ثمنها سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة وهي داخلة في بيع الأصنام فإذا كانت تعبد من دون الله فبيعها أشد ولو كانت ما تعبد لكن هي وسيلة إلى عبادتها ولو بعد حين فلا يجوز بيع الصور بجميع أشكالها وكذلك لا يجوز البيع الذي يشغل عن الصلاة عن صلاة الجمعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وكذلك البيع الذي يشغل عن صلاة الجماعة في المساجد قال الله جل وعلا: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)، فلا يجوز البيع والشراء والاشتغال بذلك في وقت صلاة الجمعة ولا في وقت صلاة الجماعة بل يجب إغلاق الدكاكين والحوانيت كما كان سلف هذه الأمة وإلى عهد قريب كانوا يغلقون المحلات ويقبلون على الصلاة امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى فالواجب على المسلم أن يتقيد بما شرع الله سبحانه وتعالى ولا يعتدي ولا ينشغل عن طاعة الله وذكر الله وفرائض الله بالبيع والشراء فإن هذه خسارة (* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ)، وإن كانوا يظنون أنهم يربحون وأنهم يبيعون لكنهم خاسرون وبيعهم وشراءهم يؤول إلى البوار لأنه غير مبارك وغير مأذون فيه شرعا.

فاتقوا الله عباد الله وتعاملوا بالبر والتقوى والصدق والإيمان والنقاء والنصيحة لعلكم تفلحون.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله الله وحدهُ لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد:

أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، واطلبوا الرزق الحلال من وجوهه ومن حله يبارك لكم فيه، فلا تكسلوا فبعض الناس وخصوصا الشباب والدارسين ينتظرون الوظائف ويعطلون الأعمال ولم ينظروا إلى أن الله نوع المطالب للرزق وأبواب الرزق فهم يقفون عند الوظائف وهذا كسل وعجز فعليهم أن يطلبوا الرزق ولا يكسلوا بالبيع والشراء بالاحتراف بالإنتاج بغير ذلك من المهن الشريفة المباحة ولتكن الوظائف هي آخر شيء أول شيء أن الإنسان يكتسب بيده أن يكتسب ببيعه وشراءه واشتغاله التجارة النزيهة هذا أحسن له من الوظيفة إنما يلجأ إلى الوظيفة من لم يفتح له باب من أبواب الرزق أو هو أغلق على نفسه أبواب الرزق وجلس ينتظر الوظيفة فعليكم أن تتقوا الله عز وجل ولا تكسلوا عن طلب الرزق لأنه عون على طاعة الله (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ)، فهو يعين على عبادة الله عز وجل إذا كان رزق حلالا ومكسبا حلال.

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهديَّ هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبيَّنا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمةِ المهديين، أبي بكرَ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد آمناً رخاءًا سخاءًا وسائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح ولاة أمورنا واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم ول علينا وعلى المسلمين في كل مكان ول علينا خيارنا واكفنا شرارنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا وقنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح ولي أمرنا، اللهم اهده إلى ما فيه الخير للأمة، اللهم اهده إلى ما فيه الصلاح والإصلاح، اللهم وفقه لكل خير، اللهم جنب عنه كل شر، اللهم أبعد عنه بطانة السوء والمفسدين، يا رب العالمين، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، فذكروا الله يذكركم، واشكُروه على نعمه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.